080725feature1photoاي خارطة طريق أمام حزب العدالة والتنمية وقيادته الجديدة بعد انعقاد أول مجلس وطني في عهد زعيمه الجديد عبد الإله بنكيران؟ وكيف يمكن لهذه القيادة توضيح خياراتها السياسية في ظل إكراهات المشهد السياسي، خصوصا مع تزايد التلميح داخل الحزب إلى إمكانيات قبول قواعد اللعبة السياسية ودخول الحكم من باب أي تعديل حكومي محتمل؟
وصول عبد الإله بنكيران لزعامة الحزب طرح أكثر من علامة استفهام حسب العديد من المصادر حول طريقة قيادة هذا الأخير لبوصلة اتجاه الحزب. عبد الإله بنكيران لم يخف أبدا رغبته في قيادة الحزب نحو ما يسميه بمصالحة تاريخية ليس فقط بين الحزب والحكم وإنما بين هذا الأخير والاتجاه السياسي الإسلامي وكل مكونات الحركة الإسلامية، وكان من أول المدافعين عن مشاركة حزبه في السلطة لاعتبارات أسهب في توضيحها أكثر من مرة. وكان هذا الموقف سببا في بروز العديد من الخلافات مع قيادات داخل الحزب، والتي كانت ترى في مواقفه اندفاعا غير مبرر نحو المشاركة بأي ثمن، مشاركة يمكن أن يدفع الحزب ثمنها غاليا، خصوصا مع عدم اتضاح الرؤية السياسية وموقف الحكم، والهامش الذي يسمح به هذا الأخير لمشاركة فعلية للحزب في إحداث تعديلات يراها ضرورية لتحقيق جزء من برنامجه السياسي.
وكان عبد الإله بنكيران كثيرا ما يرد على معارضيه داخل الحزب بأنه لا يمكن الوصول إلى بناء نوع من الثقة بين الحزب والحكم بدون اطمئنان هذا الأخير لنوايا حزبه، ولن يتم ذلك ولا يمكن الوصول إليه إلا إذا ترجم ذلك على مستوى مشاركة كوادر الحزب داخل دائرة تدبير الشأن العام، إضافة إلى أن كوادر هذا الأخير وقياداته محتاجة إلى دخول معركة تدبير الشأن العام، وملامسة الملفات الكبرى لإدارة الدولة من أجل تكوين نخب قادرة على إدارة دواليب الإدارات استعدادا لمرحلة يمكن للحزب أن يكون فيها قادراً على ما هو أبعد من المشاركة الرمزية. لكن كان واضحا أن موازين القوى ليس فقط داخل العدالة والتنمية وإنما حتى بالنسبة لعلاقاته مع دائرة القرار لم تكن كافية لترجمة توجهات بنكيران على أرض الواقع السياسي.
انعقاد المؤتمر السادس للحزب حمل مفاجأة كبرى، حسب كل المراقبين، حيث تمت الإطاحة بزعامة سعد الدين العثماني وانتقل عبد الإله بنكيران لزعامة الحزب، مما طرح أكثر من تساؤل حول الخيارات التي سيفرضها هذا الأخير داخل الحزب وحول قدرة قيادة الحزب الجديدة القديمة على التعامل مع الوضع الداخلي للحزب، والمطالب المتصاعدة داخل كوادر الحزب وقواعده بضرورة لعب الحزب لدوره السياسي كاملا، خصوصا مع الاتهامات التي توجه إليه بعدم انخراطه الكلي في الصراع السياسي وطرح مطالب أساسية في الإصلاح السياسي والدستوري وملء الفراغ الذي تركته مشاركة المعارضة السابقة في الحكم.
العديد من الأطراف السياسية اتهمت مرارا حزب العدالة والتنمية بأنه لا يرغب في توضيح مواقفه حول القضايا الأساسية المتعلقة بدور الملك والإصلاحات الدستورية الكفيلة بخلق توازن حقيقي في السلطة، وكانت دوائر الحزب ترد بأنها لا تريد فتح مواجهة مع المؤسسة الملكية في ملفات حساسة، خصوصا إبان ما كان يعتبره الحزب تعرضه لهجمة عنيفة من قبل خصومه السياسيين على خلفية أحداث 16 ماي 2003.
فالحزب الذي كان يجد نفسه في وضع حرج كان يدرك حسب بعض المصادر خطورة خلق تماس مباشر مع دائرة القرار هذه والثمن الذي يمكن أن يدفعه في حالة وصول الطرفين إلى مواجهة مباشرة.
ويبدو أن هذا الاتهام هو الذي لازال يواجه الحزب مع وصول عبد الإله بنكيران لقيادة سفينة الحزب، وانعقاد أول مجلس وطني، فالرسائل التي تصل من قيادات الحزب لا تبعث على الاطمئنان و-حسب بعض الأطراف- على إمكانية حدوث تحول في مواقف الحزب وخياراته السياسية في قضايا حساسة مرتبطة بالإصلاحات الدستورية وسلطات المؤسسة الملكية.

المجلس الوطني وخارطة الطريق

كان واضحا من خلال التصريحات الإعلامية للزعيم الجديد للحزب عبد الإله بنكيران أن هذا الأخير يبحث عن خلق نوع من التوازن بين كل تيارات الحزب، خصوصا وأنه يدرك جيدا أن العملية الديمقراطية التي أوصلته للقيادة لا تعني قبول الجميع بما أفرزته صناديق برلمان الحزب. وكان وصول سعد الدين العثماني لرئاسة المجلس الوطني في انقلاب حقيقي للأدوار بين الزعيمين مؤشرا واضحا على نوع التوازنات التي ستسود داخل الحزب ليس فقط بالنسبة لخيارات هذا الأخير، وإنما حتى بالنسبة للأدوار المحتمل أن يلعبها كل طرف في ظل إكراهات الخيارات السياسية المطروحة على الحزب لمرحلة ما بعد المؤتمر السادس.
فالحزب الذي فرض عليه البقاء في كرسي المعارضة على الأقل في المرحلة الراهنة كان يجد نفسه في وضعية صعبة ليس أقلها تحديد خياراته السياسية في قضايا حساسة بالنسبة لمستقبله السياسي، وكان هذا واضحا من خلال تصريحات عبد الإله بنكيران، الذي بدأ في توجيه رسائل متعددة وفي كل الاتجاهات لمن يهمهم أمر الحزب ومواقفه السياسية.
فالزعيم الجديد يدرك حساسية المرحلة وضرورة تحييد بعض الجبهات، ومن هنا يمكن فهم إصراره المتزايد على بعث رسائل مطمئنة للمؤسسة الملكية بأنه لا داعي للخوف من حزبه، وأكثر من ذلك أنه يمكن أن يشكل عامل توازن في اللعبة السياسية، ومسانداً قوياً للمؤسسة الملكية أمام ضغط الإكراهات السياسية.
وفي مقابل رسائله للمؤسسة الملكية كان يعمل جاهدا على إحداث إفراز حقيقي في حلفاء وخصوم المرحلة السياسية الراهنة، ففي الوقت الذي لم يتردد في الهجوم على صديق الملك عالي الهمة والتهكم على وليده السياسي الجديد، وأنه لا يمكنه استغلال اسم الملك وقربه منه للتهجم على خصومه السياسيين، كان لا يتردد أيضا في بعث رسائل الود لخصمه اللدود سابقا الاتحاد الاشتراكي، بأنه لا مانع عنده من تكوين جبهة موحدة بين الطرفين لمواجهة الوضع السياسي والاقتصادي الصعب الذي يواجهه المغرب، إذا كان هذا التقارب يخدم مصلحة البلد حسب ما صرح به أكثر من مرة.
عبد الإله بنكيران كان حريصا، ورغم الضغوط الممارسة عليه من قواعد الحزب، على ألاَّ يقترب كثيرا من الملفات القابلة للانفجار، والتي يمكن أن تكون حارقة لأصابع الحزب، ويبدو أنه ترك هذه المهمة لبعض الأطراف الأخرى داخل قيادة الحزب التي لا تجد حرجا في التعبير عما يختلج داخل الحزب بشكل أكثر وضوحا.

انقلاب الأحزاب

سعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني، والذي يبدو أنه قاد انقلابا هادئا داخل الحزب مع قرارات المجلس الوطني الأخير كان أكثر وضوحا في التعبير عن الوضع الصعب الذي يوجد فيه الحزب من الملفات السياسية المطروحة والمتعلقة بالإصلاح السياسي، حيث دعا إلى نوع من الحل الوسط بين الملكية المطلقة والملكية البرلمانية التي تطالب بها بعض الأطراف السياسية لخلق  توازن حقيقي في السلطة، لكن دون المس بإمارة المؤمنين، والسلطات التي تمنحها هذه المؤسسة للملك، فهو يعتبرها ضمانة حقيقية أمام أي انزلاقات ممكنة لا يمكن الحسم فيها إلا بواسطة إمارة المؤمنين، لكن دون التخلي عن النضال السياسي لإحداث تغييرات سياسية حقيقية، وهذا ما كان واضحا من خلال مصادقة المجلس الوطني على الوثيقة السياسية التي تجعل من النضال الديمقراطي مدخلا للإصلاح السياسي.
وربما كان الخوف من الانزلاقات السياسية لقيادة الحزب هو الدافع وراء قرارات المجلس الوطني، وإن كانت بعض الأطراف قد أشارت إلى أن العثماني الذي وجد نفسه خارج زعامة الحزب وعلى رأس المجلس الوطني قاد انقلابا حقيقيا لكنه كان هادئا لإعطاء نوع من الضمانات للخيارات المستقبلية للحزب.
وكان هذا واضحا من خلال مصادقة المجلس الوطني على قرارات تجعل من هذا الأخير رقيبا حقيقيا على أداء قيادة الحزب، من خلال متابعة الأداء السياسي والتنظيمي وكذا التدبير المالي. أبعد من ذلك، فالعثماني ومن خلال تمريره لقرار حق المجلس  الوطني في إقالة الأمين العام بأغلبية الثلثين، وأي عضو من الأمانة العامة أو حتى رئيس المجلس الوطني نفسه، جعل من هذا الأخير سلطة حقيقية كفيلة حسب البعض بخلق نوع من التوازن داخل الحزب. فهل سيكون ذلك كفيلا بدفع الحزب نحو الخروج من الغموض السياسي الذي يـتهم به من طرف العديد من الأطراف السياسية؟

عن اسبوعية الايام