invites_skhiratلا تزال ذاكرة ضحايا أحداث الصخيرات تستحضر تفاصيل محاولة الانقلاب التي قام بها بعض الجنود أثناء الاحتفال آنذاك بعيد الشباب يوم 10 يوليوز 1971 ، والذي راح ضحيته عدد من الأبرياء الذين جاءوا لحضور حفل الاستقبال الذي نظم بقصر الصخيرات، يوم مشهود سيكون له الوقع السلبي على أسر الضحايا من الناحية النفسية والمادية والاجتماعية، وهذا ما لمسناه خلال ندوة نظمتها أخيرا بالرباط جمعية ضحايا الصخيرات.
وبالرجوع إلى تفاصيل هذا الحدث الذي بصم تاريخ المغرب الحديث، فقد تفاجأ الجميع بخبر هجوم عسكري على القصر الملكي بالصخيرات بهدف قلب النظام الملكي، قام به قرابة 1400 جندي من تلاميذ مدرسة أهرمومو العسكرية الذين قسموا الى 15 كوماندو يضم كل واحد 40 فردا من السنة الأولى والثانية والثالثة يترأسهم ضباط وضباط صف، فيما شكلت الفصيلة الخاصة فقط من الضباط وضباط الصف، تحت قيادة مدير المدرسة ليوطنان الكولونيل امحمد اعبابو.
وهكذا دخل الجنود المدججون بمختلف العتاد العسكري على متن 30 شاحنة عسكرية وسيارات الجيب الى قصر الصخيرات بعدما تم تقسيمهم الى فرقتين الأولى دخلته من الباب الجنوبي والثانية من بابه الشمالي، ويروي أحمد المرزوقي في كتابه تزممارت ـ الزنزانة رقم 10 ـ أنه بمجرد دخول الجنود الى القصر حتى وقع انفجار عظيم، وتساقط طوفان من الرصاص فجأة على المكان بكثافة مهولة، كما شرعت مئات البنادق والرشاشات الخفيفة والثقيلة في إطلاق النار بكيفية اعتباطية على جموع الناس بدون وعي بخطورة ما كانوا يفعلون وكأن الأمر كان يتعلق بمشاركة مرحة في لعبة أطفال ليلة عاشوراء.
1_3_27آنذاك شرع المدعوون الذين كان يناهز عددهم 1200 مدعو يركضون بذعر في كل الاتجاهات أو التمدد على الأرض لتفادي الاصابة بالرصاص، ومن بين الشهادات التي توضح شراسة هذا الهجوم الذي حول المكان الى شبه مجزرة، ما جاء على لسان أحد شهود العيان الذي قال إن قوة انفجار القنابل داخل المطبخ أحدث ركاما اختلطت فيه الأطعمة بالأشلاء البشرية، أما الاحياء فتم تجميعهم في جوانب القصر دون مراعاة حالة الجرحى، اذ كان يطلب منهم تارة الوقوف رافعي الأيدي إلى السماء، وتارة الانبطاح على بطونهم وأيديهم خلف ظهورهم ووجوهم تحتك بالأرض، كما جاء في كتاب أحداث الصخيرات ـ إضاءات وحقائق تاريخية.
وبعد هذه المجزرة الرهيبة التي لم تفرق بين أحد، وعدم تمكن اعبابو من الوصول الى الهدف الذي يبحث عنه، أمر هذا الأخير الجنود بالانسحاب من القصر للتوجه نحو وسط العاصمة الرباط، وتم اقتحام القيادة العليا، والاذاعة والتلفزة التي أعلن منها عن الانقلاب العسكري على النظام، هذا الاعلان صاحبه تمرير موسيقى وأغاني عسكرية ثورية، كما أحكمت السيطرة كذلك على مقر وزارة الداخلية، لكن هذا الوضع سرعان ما سينقلب بعد مقتل امحمد اعبابو تلاه استسلام باقي الجنود بعدما حاصرتهم عناصر من اللواء الخفيف للأمن.
هذا ما حصل باختصار في هذا اليوم الذي سيبقى عالقا في ذاكرة جل المغاربة الذين عايشوه، حيث خلف هذا الهجوم الدموي حسب حصيلة قدمتها جمعية ضحايا الصخيرات 111 قتيل ومئات الجرحى والمصابين، والتي وصف رئيسها محمد المعزوزي أحداث الصخيرات كأبشع جريمة في تاريخ المغرب الحديث. وإذا كان عدد القتلى والجرحى ضخما، فإن جراحا أخرى مازالت تدمي ويتعلق الأمر بمن مازالت صور التعذيب والاستفزاز الذي تعرضوا له وللجثث والأشلاء التي انتشرت في كل مكان لم تفارق مخيلتهم، سواء لدى من فقد أحد أقربائه أو معيل أو زوج أو ابن.
1_3__7ومباشرة بعد أحداث الصخيرات الفاشلة سيصدر آنذاك جلالة الملك الحسن الثاني تعليماته للحكومة باتخاذ عدد من الإجراءات المستعجلة تتمثل في إنشاء لجنة للنظر في حالة العائلات المنكوبة، وإحصاء وتقييم الممتلكات العقارية والمنقولة لأجل إحداث صندوق مالي لتعويض عائلات الشهداء، وكذا تكوين لجنة من الداخلية والدفاع والعدل للبحث والتقصي في أسباب ودواعي هذه المؤامرة، بالإضافة الى الدعوة لإنشاء محكمة أمن الدولة، هذه التعليمات سيقوم الجنرال أوفقير وزير الداخلية آنذاك حسب رئيس جمعية ضحايا الصخيرات بتحريفها وإفراغها من محتوياتها، كما تم هضم الحق المدني لأسر ضحايا الصخيرات.
وبخصوص الوضع الحالي لأسر الضحايا فجلهم يعانون اضطرابات نفسية عميقة، إذ هناك بعض الأفراد من أصيبوا بأمراض عقلية مستعصية وصلت حد الهذيان والحمق والشعور بالحزن والاكتئاب واختلالات في الجهاز العصبي، كما أن هناك بعض الأفراد يتملكهم القلق الشديد وفقدان الأمل في المستقبل، أما الحالة الاجتماعية فهناك من يعيش في سكن مزري لا يليق بالحياة الكريمة، وفي مديونية دائمة لضعف المدخول المادي مما أدى الى تشرد العديد من الأيتام والأرامل، حيث أن هناك حالات نساء أرامل انقلب حالهن وانقلب عيشهن رأسا على عقب وأصبحن خادمات في البيوت يشتغلن من أجل دراهم قليلة لتوفير لقمة العيش، كما أن قساوة الزمان وضعف الحال رمى بابن سائق جنرال قتل في الصخيرات لأن يشتغل تارة ماسحا للأحذية، وتارة أخرى حمالا ليعين أمه المريضة ، فيما فضل البعض الرحيل من المغرب والهجرة الى الخارج لأجل البحث عن مستقبل آخر، أما بعض الأرامل وهن قليلات فقد فضلن الزواج مرة ثانية لانقاذ أبنائهن من البؤس ولتعويضهم عن حرمانهم من حنان الأبوة وعطفه.
على العموم يسود جو من الغضب العام والاستياء العميق لدى أسر ضحايا انقلاب الصخيرات لشعورهم بعدم اهتمام المسؤولين بمعاناتهم، خصوصا عندما نعلم أن القيمة التعويضية الشهرية المحددة مثلا لبعض أسر الضحايا تتراوح مابين 400 درهم و 1600 درهم شهريا!!؟

إعداد بدر بن علاش