51399896الوقفة سلطانية:انه وحده واقف ويداه متشابكتان ساهرا على منصة نعش الحسن الثاني الذي كان يغطيه قماش مخملي مطرز بالذهب كانت نظراته صارمة وعميقة اما مولاي هشام ابن عم الملك محمد السادس والثاني في ترتيبه لخلافة العرش العلوي بعد مولاي رشيد الشقيق الاصغر للملك فقد عاد بسرعة من الولايات المتحدة الامريكية لمساندة الاسرة العلوية في حدادها في جنازة عمه وحينما كان يوقع على عقد الولاء لمحمد السادس في 23يوليوز 1999امتنع عن تفبيل يد ه وهمس في اذنه"ان الاختبار صعب فعليك بالصبر"وفي يوم 25يوليوز كان الموكب الجنائزي العظيم الذي اقامه عظماء العالم لاجل الحسن الثاني كان الامير حاضرا في كل وقت كان هناك ليقوم بالدور الذي حلم به لسنين:"ان يكون العمود الفقري"لهذا المغرب الجديد الذي تتشكل معالمه كان يتدخل في كل شئ ويعطي اوامره للبروتوكول المثقل ويتكلف بالوفد الذي يتراسه الرئيس الامريكي بيل كلينتون شخصيا بل حتى انه حاول لي عنق تقاليد الاسلاف عند اقتراحه بالغاء التقبيل الملكي وفي المساء ينتقد محمد السادس علنا امام الحاضرين في القصر لانه ترك كبار ضباط الجيش يدخلون لقاعة العرش رغم انهم جاؤوا لتقديم الولاء لقائدهم الاعلى الجديد وبرر ذلك بانهم "لم يطؤوه باحذيتهم العسكرية منذ انقلاب الصخيرات !"واكثر من ذلك ففيما كان الملك الشاب يرغب في الانسحاب للنوم في قصر سابلون اقامته الخاصة بضاحية الرباط قال له مولاي هشام في حضور حرسه الاسود :"انك الان امير المؤمنين ومكانك في قلب القصر حيث ينبغي عليك المبيت في ليلتك الاولى كملك"عند هذه اللحظة فصل محمد السادس في الامر:فهو لن يقبل بعد ذلك ان يعارضه ابن عمه المتهور والمتسرع امام الملا والاكثر من ذلك ان يشكل معه الثائي الذي يتصوره بعض الاصلاحيين لقيادة المغرب نحو الحداثة

moulayhicham2وعندما علم ان مولاي هشام طلب اعطائه اللائحة والسير الذاتية لاعضاء مجلس وزراء الملك انتابته نوبة غضب عارمة وفي 28 يوليوز كلف مولاي عبد الله وهو ابن عم مقرب منه كذلك فؤاد عالي الهمة صديقه في الدراسة الذي سرعان ما سيصبح الرجل الثاني في النظام وعبد الحق المريني مدير التشريفات(البروتوكول)بزيارة مولاي هشام في بيته ولما علم بوصول مبعوثي الملك الثلاثة ظل ينتظرهم ووضع نسخة من القران على المائدة كان اللقاء عاصفا اذ انكر بشدة الاتهامات التي وصلته وهدد بتركه للبلاد على الفور بقي المبعوثون الثلاثة ينصتون وهم نادمون قبل ان ان ينطقوا بالحكم: اذا احتفظ بلقبه ورتبته كامير فهو مع ذلك مطرود من الاسرة الملكية وممنوع في اي ظرف من الاقتراب من الملك غير انه سيكون حاضرا في احتفال ديني يوم 30يوليوز بعيدا عن الملك محمد السادس الذي لن يلقي عليه حتى نظرة واحدة ذلك لانه اصبح محط اتهام من القصر بحسب التقليد المحض لسلاطين المغرب وهو ما كان في وقت اخر سيعني الموت المحقق او على الاقل النفي الى مستعمرة في بلدان جنوب الصحراء وفي نهاية شتنبر كانت المناسبة التي حدث فيها التجاوب الاخير بينهما على اثر زيارة من محمد السادس الى بيت ابن عمه بمناسبة ميلاد ابنته الثانية حينها قال الملك :"هل كنت تفكر في عدم دعوتي للاحتفال بميلاد ابنة اخي "واجابه الامير "انك في بيتك هنا الست الان قائد الاسرة"..كان التباعد قد توطد بين الرجلين الذين ولدا اشهرا قليلة مع بعضهما البعض وعلى العموم قد جعل منهما مسارهما المتباين شخصين متناقضين متصارعين فالامير هشام كان النقيض لمحمد السادس اذا كان الملك نائيا بطبيعته ويحرص على مزاجه الانطوائي والمتكتم فابن عمه كان محبا للتوسع كثير الكلام قليل الصبر كان الملك لا يشعر بالراحة مع الناس ويتهرب من الصحافة وهو نادرا ما يعرض افكاره في حين ان مولاي هشام يعبر عن نفسه بكل حماس ويتدخل في الندوات حول المواضيع الشائكة ويتبادل معارفه الواسعة وينشر مقالاته الملتهبة في الصحافة الدولية ويسمح باجراء مقابلات صحافية بكامل الرضى وكان الملك الشاب في بداية حكمه لما كان يشعر بثقل المهمة الكبيرة لخلافة والده يبدو عليه انه لا يهتم كثيرا بمنة والده فيما كان مولاي هشام يخضر النقاشات منذ سنوات ويحلم بان يشارك في شؤون الدولة وقد ذكر الامير في جلسة خاصة:"عندما كنت احدثه قبل وفاة الحسن الثاني كان يظل صامتا"وفي قلب انتقال صعب كان مزاجهما يطفوان فوق المشهد السياسي الاعلامي ويعود اصل هذا الصدام الى تربيتهما المختلفة للغاية فالملك ترعرع وتلم في قلب"المدينة المحرمة"هذا القصر الملكي المتجدر في تقاليد القرون الوسطى تحت السلطة الضاغطة لوالد متحكم وقد حظى الامير بفرصة نايه بنفسه لتكوين شخصية متلائمة مع عصره والواقع ان تصوير احدهما معناه الكشف في تجاويفه عن شخصية الاخر

الامير مولاي هشام يسأل :متى ستكون الليلة الكبيرة

myhichamlmيعدل مولاي هشام من تصريحاته ليكبح الغضب الذي يحفر في صفوف مؤيديه وهو يكرر:اريد ان اساعد بلادي ان انقذها لست في منطق التنافس..اما في حياته الخاصة حينما يبتعد كثيرا من اصدقاه القدامى خوفا من ويلات النظام ببقي على مجموعة من المدينين له ومن المعارضين الخالصين الذين يظلون يرافقونه في فيلته بحي السفراء في قلب الضاحية الراقية بالعاصمة او عند صديقين من اصدقاء الطفولة يقع منزلهما في حي اكدال بالرباط المقر الرئيسي لمرتابي محمد السادس ويصير مكان احتشاد الصحافيين المنتقدين للنظام من اليساريين تحت الاقامة الجبرية والاشتراكيين في الحكومة والمثقفين من اصحاب الفكر الحر الشقة التي باتت تعرفها اجزة الاستخبارات صارت تحت المراقبة المستمرة حيث تقوم الديستي بتحرير ملفاتها بعناية حول هؤلاء الزوار الليليين
وعلى كل حال فان مضيف هذه الليالي المليئة بالنقاشات سيجد حياته المهنية كدبلوماسي قد تحطمت مثل غيرهم من الموظفين الذين اقترفوا في نظر رؤسائهم جريمة لا تغتفر بترددهم على مولاي هشام وغالبا ما تشتعل هناك نقاشات فيما ينمي مولاي هشام خطابا نقديا تجاه الملك وسيقول عن ابن عمه انه "اخطا بارساء سلطته على منطق امني و محافظ متشدد"في غياب رغبته في الالتزام "على مفاهيم المواطنة والتحرر"ويدافع خلال هذه الليالي التي لا تنتهي عن الملكية الاشتراكية لعبد الرحمن اليوسفي التي تركها الحسن الثاني هي وحدها المتهمة بخيانتها لمثل اليسار المناضل من بددت راسمال مصداقيتها وسعت وراء الكسب المادي والتملق ويقول ايضا بانه يتحسس حرارة الجيش الذي لن يخفى عليه سخطه تجاه الخطر الاسلامي وتسويفات الملك في تدبير نزاعات الصحراء .ان مولاي هشام يضايق القصر لكن القصر يصمت وتقوم الاجهزة الامنية بمراقبة هذا المثير للبلبلة عن كثب والمثقفون التقدميون الذين يشعرون بالقلق احيانا ازاء طبيعةالكلب المسعور للامير توقفوا عن التفكير فهو مازال في وسعه القيام بدور مهم في يوم من الايام فيما يسميه هو نفسه "نافذة مرمى تاريخيةفي حديثه عن الانتقال السياسي الجامح الذي تشهده البلاد وعن المكالمات الهاتفية التي يتحدث فيها مع الفنان الساخر بزيز الممنوع من اقامة عروضه منذ عشرين عاما بسبب انتقاداته اللاذعة للملكية والذي يقول له دائما على نحو مرح:اذن بالنسبة لك متى ستكون الليلة الكبيرة"ويرد عليه بزيز في لهجة الدعابة:غدا على الساعة الرابعةو 45دقيقة
لقد كنت بالتاكيد مخطئا في قلقي من رؤية المغرب تحت سيطرة جماعة من الجنرالات لكن مخاوفي من الملكية تاكدت "يقول معترفا .ان مولاي هشام الذي يبلغ اليوم 44عاما يخصص وقته لمشاريعه التجارية :في مجاله الزراعي في تارودانت جنوب المغرب واستثماراته في الطاقات الخضراء في تايلند او بريطانيا ومزرعت السمكية في الامارات غير انه هجر البلاد ومشروعه الكبير لبناء مدينة نظيفة (ايكولوجية)في نواحي الرباط في نقطة الصفر وهو مازال يؤيد في خرجاته النادرة على الاعلام بان المغرب مر من ملكية قمعية الى دكتاتورية بطابع مؤسساتي تضفي عليها الطبقة السياسية صبغة القانونية والاستقرار

مقتطف من كتاب على عمار

الملك محمد السادس;سوء الفهم الكبيرعن الجريدة الاولى